زكريا القزويني

255

آثار البلاد واخبار العباد

أتعرف قائل هذا الشعر : ماذا أؤمّل بعد آل محرّق * تركوا منازلهم وبعد إيّاد قال : لا ! فقال : توقّف يا وكيل في شهادته فإن من كان في قومه رجل له هذه النباهة وهو لا يعرفه أظنّه ضعيفا . وكتب مسروق بن عبد اللّه إلى القاضي شريح ، وقد دخل زياد ابن أبيه في مرض موته ومنعوا الناس عنه ، وكتب إليه : أخبرنا عن حال الأمير فإن القلوب لبطء مرضه مجروحة ، والصدور لنا حزينة غير مشروحة ! فأجابه القاضي : تركت الأمير وهو يأمر وينهى ! فقال : أما تعلمون أن القاضي صاحب تعريض ؟ يقول : تركته يأمر الوصيّة وينهى عن الجزع ! وكان كما ظنّ . والقاضي شريح توف سنة اثنتين وثمانين عن مائة وعشرين سنة . وينسب إليها أبو عبد اللّه سعيد بن جبير ، كان الناس إذا سألوا بالكوفة ابن عبّاس يقول : أتسألونني وفيكم سعيد بن جبير ؟ وكان سعيد ممّن خرج على الحجّاج وشهد دير الجماجم ، فلمّا انهزم ابن الأشعث لحق سعيد بمكّة ، وبعد مدّة بعثه خالد بن عبد اللّه القسري ، وكان واليا على مكّة من قبل الوليد ابن عبد الملك ، إلى الحجّاج تحت الاستظهار ، وكان في طريقه يصوم نهارا ويقوم ليلا ، فقال له الموكّل به : إني لا أحبّ أن أحملك إلى من يقتلك ، فاذهب أي طريق شئت ! فقال له سعيد : انّه يبلغ الحجّاج أنّك خليتني وأخاف أن يقتلك ! فلمّا دخل على الحجّاج قال له : من أنت ؟ قال : سعيد بن جبير ! قال : بل أنت شقيّ بن كسير ! قال : سمّتني أمّي ! قال : شقيت ! قال : الغيب يعلمه غيرك ! فقال له الحجّاج : لأبدّلنّك من دنياك نارا تتلظّى ! فقال سعيد : لو علمت أن ذاك إليك ما اتّخذت إلها غيرك ! قال : ما تقول في الأمير ؟ قال : إن كان محسنا فعند اللّه ثواب إحسانه ، وإن كان مسيئا فلن يعجز اللّه ! قال : فما تقول فيّ ؟ قال : أنت أعلم بنفسك ! فقال : تب في علمك ! فقال : اذم